الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

206

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتركيب « ما لهم لا يؤمنون » يشتمل على ( ما ) الاستفهامية مخبر عنها بالجار والمجرور . والجملة بعد لَهُمْ حال من ( ما ) الاستفهامية . وهذا الاستفهام مستعمل في التعجيب من عدم إيمانهم وفي إنكار انتفاء إيمانهم لأن شأن الشيء العجيب المنكر أن يسأل عنه فاستعمال الاستفهام في معنى التعجيب والإنكار مجاز بعلاقة اللزوم ، واللام للاختصاص . وجملة : لا يُؤْمِنُونَ في موضع الحال فإنها لو وقع في مكانها اسم لكان منصوبا كما في قوله تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [ النساء : 88 ] والحال هي مناط التعجيب ، وقد تقدم تفصيل القول في تركيبه وفي الصّيغ التي ورد عليها أمثال هذا التركيب عند قوله تعالى : قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في سورة البقرة [ 246 ] . ومتعلق يُؤْمِنُونَ محذوف يدل عليه السّياق ، أي بالبعث والجزاء . ويجوز تنزيل فعل يُؤْمِنُونَ منزلة اللازم ، أي لا يتصفون بالإيمان ، أي ما سبب أن لا يكونوا مؤمنين ، لظهور الدلائل على انفراد اللّه تعالى بالإلهية فكيف يستمرون على الإشراك به . والمعنى : التعجيب والإنكار من عدم إيمانهم مع ظهور دلائل صدق ما دعوا إليه وأنذروا به . و لا يَسْجُدُونَ عطف على لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ ظرف قدم على عامله للاهتمام به وتنويه شأن القرآن . وقراءة القرآن عليهم قراءته تبليغ ودعوة . وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعرض عليهم القرآن جماعات وأفرادا وقد قال له عبد اللّه بن أبيّ بن سلول : « لا تغشنا به في مجالسنا » وقرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن على الوليد بن المغيرة كما ذكرناه في سورة عبس . والسجود مستعمل بمعنى الخضوع والخشوع كقوله تعالى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [ الرحمن : 6 ] وقوله : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ [ النحل : 48 ] ، أي إذا قرئ عليهم القرآن لا يخضعون للّه ولمعاني القرآن وحجته ، ولا يؤمنون بحقيته ودليل هذا المعنى مقابلته بقوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [ الانشقاق : 22 ] .